21 مارس 2019 الموافق 15 رَجَب 1440
 

17 فبراير 2019 الموافق 12 جَمَاد الثَّاني 1440

كاتب ومترجم
ناصر جبوجا المير
هل اللغة العربية قادرة على ترجمة العلوم؟
ناصر جبوجا المير
كاتب ومترجم، المغرب

Jabouja.na@gmail.com
 
كثيرا ما نتساءل اليوم حول قدرة اللغة العربية على ترجمة العلوم. وهل فعلا تستطيع هذه اللغة مواكبة العصر الحالي، الذي أصبحت فيه كل العلوم تكتب وتنقل باللغة الإنجليزية، فحتى الفرنسية رغم قوتها المتواضعة لم تستطع الصمود أمام زحف المصطلحات العلمية التي وُضعت باللغة الإنجليزية. وتدفعنا كل هذه التأملات إلى جر اللغة العربية ووضعها أمام السؤال حيث سنطرح سؤالا قد نراه يحمل في ظاهره إجابة بنعم أو لا، لكنه يبقى سؤالا مفتوحا أمام مجموعة من التأويلات والتفسيرات المتباينة، فهل يمكن إذن للغة العربية ترجمة العلوم؟

لقد كنت دائما أطرح هذا السؤال، خلال رحلتي مع علم المصطلح وتاريخ الترجمة. وقد كان لزاما علي إيجاد الجواب الكافي والشافي لما كان يؤرقني ويقض مضجع أفكاري. وقد وجدت بعض الإشارات التي كانت تقودني إلى عالم يكاد يغيبه المؤرخون ولا يولوه أي اهتمام، وليس المؤرخون فقط من يغيبونه بل نحن من نساهم في نكرانه.

ترجع المحاولات الأولى لترجمة النصوص العلمية إلى العهد العباسي، الذي عرف ازدهارا كبيرا لحركة الترجمة، حيث أولى الخلفاء أهمية بالغة لنقل علوم وآداب الشعوب الأخرى إلى العربية والاستفادة منها. وكان لتأسيس بيت الحكمة شاهدا تاريخيا على هذا الاهتمام الذي أولاه الخلفاء العباسيون للعلوم عامة والترجمة خاصة.

وقد ساهم دعم الخلفاء المسلمين للمترجمين في بروز عدد كبير من المترجمين الذين نقلوا علوما عديدة من لغات الحضارات الأخرى إلى اللغة العربية. ومن بين هؤلاء المترجمين برز المترجم السرياني حنين بن إسحاق (ت 873). حيث قام هذا المترجم الذي أتقن أربع لغات، منها العربية والسريانية واليونانية والفارسية، بنقل العديد من النصوص العلمية إلى اللغة العربية، خاصة النصوص الطبية.  وكان يستعمل لغته الأم، السريانية كلغة وسيطة بين اليونانية والعربية. ويرجع الفضل لهذا المترجم في تدشين حركة الترجمة العلمية، مما أكسبه لقب "شيخ المترجمين"، وهو الأمر الذي دفع بالخليفة العباسي المأمون إلى وضعه على رأس بيت الحكمة وديوان الترجمة.

لقد ساهم حنين بن إسحاق وآخرون في ترجمة وإدخال نصوص طبية عديدة إلى اللغة العربية، مما ساهم في ازدهار الطب بشتى علومه وظهور أطباء وجراحين في كل بقاع بلاد المسلمين. وبالطبع، كان لزاما أن ترافق هذه الموجة ولادة مصطلحات علمية كثيرة وترجمة أخرى أثرت المعاجم الطبية خاصة والعلمية عامة.

لقد ساعدتني دراسة حياة هذا الرجل في التعرف على جانب غابر مشرق من الحضارة الإسلامية في الشرق كما في الغرب. وكان ابن إسحاق جوابا على سؤال كان دائما يؤرقني، ولعل تراث هذا المترجم يفند كل ادعاء بأن العربية غير قادرة على ترجمة العلوم الحقة، بل كانت فيمما مضى لغة العلوم. والقضية هنا لا تتعلق بمصطلحي القدرة، أو عدم القدرة. وإنما هي حكاية قوة، تتفرع منها مجموعة من القوى الأخرى. أي أن قوة المجتمع ودولته هي من تحدد لغة العلوم وليس اللغة في حد ذاتها. إنما اللغة وسيلة فقط نقضي بها حوائجنا ونتواصل بها بيننا.
فعند دراسة تاريخ الحضارة الإسلامية وعلومها سنكتشف أن السؤال الذي وضعناه في بداية هذا المقال قد تمت الإجابة عليه منذ قرون خلت من لدن ابن إسحاق والعلماء الآخرين، كل في تخصصه.
 







كل المقالات