10 ديسمبر 2019 الموافق 13 رَبِيع الثَّاني 1441

7 مارس 2019 الموافق 1 رَجَب 1440

كنت "مىرحما".. وهكذا وضعت النقاط على الحروف




كنت "مىرحما".. وهكذا وضعت النقاط على الحروف
بقلم المترجم والمحرر محمد عبد الرحمن غرقان

mo.abdulrahman1986@gmail.com


بروحي وذاكرتي تِلكم الأيام في بدايات دخولي ميدان الترجمة بعد تخرجي من الجامعة؛ كانت أياماً جميلة يكتنفها بعض التعب الباعث على الجد والاجتهاد لا الكسل. وأنا سائرٌ أشق طريقي نحو عالم الترجمة كانت نظرتي سطحية للمهنة وأربابها ولم يدر في خلدي حينئذٍ أنني أضع قدماي في بحر عميق لم يُعرف له قرار من العلم والمعرفة والأدب وقل ما شئت من القيم الرفيعة السامية. لم أكن أتوقع أن هذا البحر يمثل عالماً مليئاً بالتحديات وأنا الذي أقرر فيه بالجد والاجتهاد أو الفتور والتواني إن كنت سأصبح قامة سامقة في جنباته أو أرتضى لنفسي الاستكانة والخنوع لمصاعبه.

كان عملي بسيطاً يقتصر على ترجمة بعض المستندات المدعومة بنماذج جاهزة في غالب الأوقات. كنت أترجم وأنا راضٍ عن ترجمتي إلى حدٍ كبير، ولكن كلما وقع بين يدي نصٌ يتسم ببعض التعقيد مثل اتفاقية قانونية بريطانية وأقف عاجزاً أمام بعض الفقرات لا أستطيع صياغتها على نحو يعكس جودة النص الأصلي، أجدني أسرح بخيالي برهة متفكراً سائلاً نفسي: كيف أعمل مترجماً ولا أستطيع تطويع نص ما ليخرج بجودة تضاهي مكافئه الأجنبي؟

أخاطب نفسي مكرراً السؤال في كل يوم مرات ومرات باحثاً معها عن إجابة، وبدأ مستوى رضاي عن الترجمة التي أخرجها في الانحدار حتى قررت البحث عن بيئة عمل أتعلم منها وأنمي موهبتي في الترجمة مستهلاً قراري بالانتقال إلى عمل جديد أحسست فيه منذ اللحظة الأولى أنه المستقر المثالي لتنمية أبعادي المهنية ووضع النقاط على الحروف في مهنتي لأتحول من "مىرحم" إلى "مترجم".

كنت ألمس تطور مقدراتي ومواهبي وألاحظ التميز في أدائي يزداد يوماً بعد يوم وأنا محاطٌ بكوكبة من المترجمين الأكْفاء أقضي معهم في بعض الأحيان ساعات لنخرج بأفضل ترجمة لنص ما أثار الجدل بيننا. عندها فقط ارتفع مستوى الرضا لدي عن الترجمة التي أقدمها ويقدمها غيري بطبيعة الحال، فأصبحت أنظر إلى ترجمات عهدي السابق نظرة شفقة إلى ما كانت عليه حالة ذلك المترجم المسكين ونظرة فخر واعتزاز إلى ما آلت إليه حالته.

 ففي بعض بيئات العمل كل ما ينقل إلى العربية على اختلاف أسلوبه وجودته بل حتى إن كان ترجمة آلية يسمى "ترجمة" يتداولها الناس لقضاء شؤونهم. لكن في بيئات العمل الاحترافية، الاختلاف جذري في التعاطي مع الترجمة وقبولها أو رفضها. ولتعلم عزيزي المترجم أنك أنت القاضي والحكم في فصل النزاع حول جودة ترجمتك أو ترجمة غيرك، لكن ليس وأنت ضعيف هزيل منهكٌ مهنياً، بل عندما تكون قوياً عتياً متسلحاً بخزينٍ ترجميّ ولغوي ومعرفي كبير، وهذا محالٌ أن يتأتى إلا بالاجتهاد والسعي للارتقاء بمستوى صياغتك للنصوص التي تقدمها الذي يمكن أن يتحسن حتى يصل مرحلة لا يمنعك فيها إلا التواضع من تقييم مترجمين كبار يُشار إليهم بالبنان في عالمنا العربي.

المترجم وغيره من حملة العلم والمعرفة في العالم، لكلٍ منهم بداية فإما أن يجدّ السير ويواصل تطوره ليصبح عظيماً ويلمع نجمه في سماء مهنته، وإما أن يراوح بين رجليه واقفاً مكانه ويبقى في محيط بدايته فيظل مغموراً خافتاً نجمه كما كان حين بدأ.

بقلم المترجم والمحرر محمد عبد الرحمن غرقان

 


كل المقالات