10 ديسمبر 2019 الموافق 13 رَبِيع الثَّاني 1441

22 فبراير 2019 الموافق 17 جَمَاد الثَّاني 1440

رواية "العطار" لنصر سامي: الطين والشخوص




درت عن (الآن - ناشرون وموزعون) في عمان رواية "العطار" للكاتب التونسي نصر سامي، وتقع في 256 صفحة من القطع الوسط.
و"العطار" غابة من السرود والحكايات والروايات والقصص التي ترحل بالقارئ بين الأزمان والأمكنة ودهاليز الحياة والنفس البشرية.

تبدأ الحكاية من نهاية الحكاية التي ينقطع فيها البطل عن معاصيه وآثامه وجرائمه للقراءة والعبادة، غير أن ماضيه الذي يطارده لا يمنحه الفرصة للتطهير والتطهر في العزلة التي اختارها.

يقسم الكاتب الرواية إلى خمسة أقسام، يحمل الأول عنوان "مقدمات أو نهايات، لا فرق أبدا"، وفي هذا القسم يقدّم العطار رجلًا غامضًا، على هيئة ناسك أو متصوف، يهجر ملذات الدنيا، ولكن قدره يطارده بالنساء والثارات القديمة، وفي القسم الثاني الذي حمل عنوان "نساء في حياة العطار قبل الرحيل" فيه سرد لعلاقات العطار مع نساء من كل الألوان والأطياف، كل واحدة لها قصة، وطعم ومذاق، ولكن نهايتهن تكون واحدة.

وفي القسم الثالث الذي حمل عنوان "طين الروايات وأبطالها"، يحكي الكاتب عن مناخات الكتابة التي تختلط بالنحت والرسم في تصوير الوجوه وجوانيات الأبطال وعلاقة الكاتب بهم، وفي القسم الرابع يسرد الكاتب رحلة في عوالم مجهولة ومتناقضة تصل حد الرعب، رحلة ليس مخططا لها بل تقوده في كل مرة قدماه إلى مصائد وورطات ينجو منها بما أوتي من لعنات.

وفي خواتم الخطايا 2 يعيد الكاتب تدوير كل الحكاية لحوار مع القارئ، وأضاء على نهاية العطار الذي يعود إلى بلده ويجمع شتات رحلاته وأوراقه لتكون الرواية.

يستهل الكاتب الرواية بالنمط الحكائي التراثي الذي يفترض وجود جمهور، ويقول: يا سادة، يا مادة، سأحكي لكم فيما يلي حكاية جمال الدين العطار، وهو أيضا اسم تراثي يضارع أسماء المتصوفة، ويختار المفردات التراثية التي تشبه سرد ألف ليلة وليلة: "الصباح هنا مبلول، خائر، جاثم على القلوب، والأهل والولد بعيدون عنه، بينه وبينهم زمن"، ويفيد من الموروث الشفاهي المحكي لمقاربات تستنطق المسكوت عنه في الرواية الرسمية، لتفجير طاقة المحكي الشعبي كجزء من الخطاب الراهن، لمقاربات مع الواقع.

وفي تلك الأقسام التي تمثل مشاهد مقطعة يحكي قصة العطار الذي تمتزج شخصيته بين الصعلكة والصوفية، والنبل والخسّة الذي تقوده أقداره لمغادرة قريته، ثم يعمل سائقا لنقل الممنوعات، وخلال ذلك يرتبط بعدد من النساء.

وخلال عمله هذا ينتقل على مساحات ومفاوز وأدغال في أفريقيا، ويخوض صراعات ويتعرض للخطر، ويمارس الاحتيال والقتل والتعبد والصلاة وأعمال الخير، وكلما أراد أن يخرج من تلك الشباك التي وقع فيها، يعيده ماضيه إلى المربع الأول.

والرواية تقع أحداثها بين تونس وليبيا والمغرب والصحراء المغربية والسنغال وتشاد والكونغو، وخلال ذلك يتوقف عند جغرافية المكان الثقافية وعادات الناس فيه، وصراعاته لتحصيل لقمة العيش التي يدفعون ثمنها بأجسادهم ودمهم، ويعرض خلال ذلك الصراعات التي يدفع ثمنها الناس البسطاء الذين يفقدون حياتهم بالمجان.

ومن هنا، في رواية المكان، الذي يسرده عرضيا من خلال رحلاته، تقع الرواية في حقل أدب الرحلات. وفي السياق، وهو يحكي ذلك، يقدم رواية السيرة الذاتية والغيريّة التي تكشف عن إنسان تلك المنطقة الشاسعة في الصحراء والأدغال التي لا تختلف صراعاتها عن كائناتها المتوحشة.
وفي الزمان فهي تتناول العقود الثلاثة المنصرمة التي تعرضت فيها القارة لزلزال العولمة، وبروز اقتصادات التهريب وظهور إقطاعياتها وعصاباتها التي تتاجر بكل شيء، بكل ما يحتاجه الإنسان، وحتى البشر، وتحكمها علاقات الرشاوى والعنف والدجل، وظهور الدين كغطاء لممارسات تلك العصابات.

وفي تلك الحقبة الممتدة زمانا ومكانا شاسعين، يلجأ الراوي إلى توليد الحكاية التي تشبه حكايات ألف ليلة وليلة في أسفارها وقطعها المفازات ودهشة وصفها للمجتمعات، وعرضها للحياة الشهوانية ولذاتها، وتنوعها بين البذخ والفقر والرفاه والمعاناة.

ولأهمية حضور المرأة، يرسم الكاتب بورتريهات، أو مشاهد منفصلة لكل من نساء العطار تغدو فيه المرأة نصًا أدبيًا، وكينونة من لحم ودم ومشاعر، وتظهر في الوقت ذاته ذئبية الإنسان. وبالمناسبة فالرواية بصرف النظر عن واقعيتها بالمعنى الحرفي، أو واقعيتها بالمعنى الأدبي في احتمالية الحدوث، تمثل شاهدا على التحولات التي كانت تجري في أفريقيا في تلك الحقبة، وما يجري فيها من جمر تحت الرماد، وتفتح أُفقا لقراءة المستقبل الذي يقع بين الرغبة والجشع والفاقة والقهر الذي يحول الكائن إلى مسخ.

ويفيد الكاتب من موهبته في الرسم والنحت ليس في تصوير الشخصيات فحسب، بل في تخليقها وقتلها، ليناقش خلال ذلك نمو الشخصية في الرواية، وحكايتها، ويغدو الكاتب في الرواية 
متورطًا في الحكاية وجزءًا منها، لتصبح رواية في الرواية.

وعلى بساطة اللغة التي يميل في كثير منها للتصوير والوصف والتكرار، فهو يشجّر المتون بعدد من النصوص الشعرية والمقولات من التاريخ، ومن الواضح أن سعة اطلاع وثقافة الكاتب بما تشير سيرته الذاتية قد ساهمت في إغناء الرواية لجهة الموضوع في ولوجه لمنطقة بكر وراهنة بكل صراعاتها من خلال شخصية العطار الشاهد والشهيد، ومن خلال الشكل الذي مثل غابة من السرود.

ويبقى الكاتب حتى في نهاية ما أراد أن يقدم من سيرة مراوغا بأسئلته الاستنكارية التي توقع القارئ في شرك القراءة، وتحديدا فيما يقدم من شكل جديد في السرد الذي يصفه بالقول الدارج "حكايتنا غابة، كل عام تجينا صابة".

ويختم: "الآن، وقد أكملت الرواية أتساءل أنا الكاتب نصر سامي، هل هذه الرواية رواية حقا، وبطلها جمال الدين العطار، هل هو بطلها حقا.. وهذا الكتاب لا يجب أن يقرأ باعتباره رواية تقليدية، وليس بالقطع رواية تجريبية، بل هو نوع من السرد الروائي التأملي الذي يشترك الكاتب والقارئ في كتابته وإعادة ترتيبه".

يشار إلى أن الكاتب نصر سامي من مواليد تونس، حاصل على الدكتوراه في الأدب العربي، صدرت له ثلاث روايات، وتسع مجموعات شعرية، ومسرحية واحدة.

وله كتابان في النقد، وترجمت أعماله ونصوصه إلى غير لغة حية، نال عددا من الجوائز، منها: كتارا للرواية العربية عن مخطوطته "الطائر البشري"، وجائزة الشارقة للإبداع عن روايته"حكايات جابر الراعي". 


كل المقالات