10 ديسمبر 2019 الموافق 13 رَبِيع الثَّاني 1441

19 فبراير 2019 الموافق 14 جَمَاد الثَّاني 1440

الترجمة التتابعية




الترجمة التتابعية
ترجمة: جمال أمنار

jamalamana31@gmail.com


تعتبر الترجمة التتابعية أو التتبعية نوعا من أنواع الترجمة الفورية، حيث يقوم المترجم خلالها بتدوين الملاحظات حول الخطاب الرئيس بينما يلقيه المتحدث، ليعيد إنتاجه فيما بعد في اللغة الهدف والقائه على الحاضرين، بخلاف الترجمة الفورية، إذ يقوم فيها بنقل الخطاب إلى اللغة الهدف في الوقت الذي يتحدث فيه المتكلم بفارق زمني لا يتعدى بضع ثوان. ومما لاشك فيه أنها أضحت من أنواع الترجمة الأقل استخداما نظرا لارتفاع الطلب على خدمات الترجمة الفورية، لكنها لا تزال تستعمل في الاجتماعات والندوات والمحافل والمقابلات الصحفية التي لا تتوفر على آليات الترجمة الفورية، بالإضافة إلى أنها تلقن في جميع مسالك دراسات الترجمة الفورية، ويمتحن فيها المترجمون لدى ولوجهم المؤسسات والمنظمات الدولية.

لا شك أن لكل مترجم طريقته الخاصة في تدوين الملاحظات، والطريقة التي يدون بها مترجم ما الملاحظات قد تكون غير مناسبة لمترجم آخر، لكن من الضروري أن تكون هناك قاعدة معينة. فعلى سبيل المثال، نجد الأطفال وهم صغار يقومون بتمارين الإملاء، ومع مرور الوقت يكتسبون خطا جيدا بفعل هذه التمارين، وهذا الأمر ينطلي على التراجمة أيضا، إذ لابد على طالب الترجمة القيام بالتمارين يوميا، إلى أن يتحسن مستواه ويكتشف منهجيته الخاصة في تدوين الملاحظات، ويستغني بذلك عن بعض الطرق التي لقنت له واكتشاف أخرى جديدة، وهذا يندرج ضمن ما يسمى بالتعلم الذاتي.

مهارات المترجم:

تضاربت الآراء بين من يؤيد فكرة أن المترجم يولد بالفطرة ومن يؤيد فكرة أنه يصبح مترجما بفضل التكوين. لكن حقيقة الأمر أن هناك قلة قليلة من المترجمين يمكن القول عنهم أنهم مترجمون بالفطرة، وهم أولئك الذين يترجمون بسهولة دون أن يتلقو أي تكوين، أما الأغلبية فهم لا يولدون وهم يتقنون الترجمة، وإنما يكتسبون مهاراتها من خلال تكوين شاق ومراكمة الخبرة. من جهة أخرى، يتفق المنظرون على أن مترجم المستقبل لا بد أن يتوفر على مجموعة من الخصائص والقدرات التي قد تخول له أن يصبح مترجما، على سبيل المثال: الكفاءة اللغوية ومهارات التحليل والذاكرة القوية والثقافة العامة.

الكفاءة اللغوية:

عند الحديث عن الترجمة الفورية، فلابد من الإشارة إلى اللغة الأم، أي تلك التي يترجم منها، واللغة الهدف، تلك التي يترجم إليها، أو بمعنى آخر اللغة أ واللغة ب. حسب تعريف للجمعية العالمية للترجمة الفورية، فإن اللغة أ هي اللغة الأم، أي اللغة التي يتقنها المترجم ويحيط بحيثياتها وسجلاتها اللغوية التي تمكنه من الترجمة بسهولة، أما بخصوص اللغة ب، فهي تعتبر اللغة الثانية التي يتوفر فيها المترجم على معارف جيدة لكن لا يتقنها كما يتقن اللغة الأم. وأخيرا، هناك اللغة الثالثة التي يفهمها المترجم جيدا ويمكن له أن يترجم منها إلى إحدى اللغات التي يتقنها.
ولابد من الإشارة إلى أن اللغة الأم هي اللغة التي تكتسي أهمية أكبر من غيرها، لكن غالبا ما يتم إهمالها وهذا خطأ فادح، لأنه من الضروري اتقانها، خاصة فيما يتعلق بالتعبير والطلاقة واكتساب معجم غني. وعلى الرغم من استمرار المترجم في تحسين وتعزيز مستواه في اللغات الأجنبية الأخرى التي يتقنها، ينبغي عليه إلا يهمل لغته الأم.

القدرة على التحليل والتلخيص:

أولا وقبل كل شيء، ينبغي على المترجم أن يتفادى ما يسمى بالترجمة الحرفية أو كلمة بكلمة، أي ألا يترجم الخطاب الأصلي بحذافيره في اللغة الهدف، لأن هذه الطريقة لا تفضي إلا إلى ترجمة فاشلة ورديئة، مليئة بالاقتراضات والتعابير الركيكة المستشفة من النص الأصلي، والتي تؤدي في نهاية الأمر إلى فشل المترجم في ضمان التواصل بين الخطيب والحاضرين.

ولهذا يجب أن نعلم أن المترجم ليس بآلة تقوم بترجمة الكلمات، وإنما يعمل على إيصال رسالة النص الأصلي بقدر ممكن من الوفاء، وليس المعنى فقط، بل الاتصال اللفظي وقصد ونبرة المتحدث كذلك، بالإضافة إلى ضمان عبارات صحيحة ومستساغة في اللغة الهدف، خصوصا عندما يتعلق الأمر باللغة الأم. ولكي يتمكن المترجم من ذلك ينبغي أن تكون لديه قدرة عالية على التحليل التي تخول له معرفة نوعية النص وبنيته، واستخراج الأفكار الأساسية والثانوية وتلخيصها.

الذاكرة:

كثيرا ما يعتمد المترجم على ذاكرته، سواء الذاكرة قصيرة المدى أوالذاكرة متوسطة أو طويلة المدى، إذ أن الأولى تساعده على تخزين المعلومة لوقت كافي وتقوم بتحليلها ليدونها على شكل رموز واختصارات في مفكرته الخاصة. أما بخصوص الذاكرة متوسطة المدى فهي تساعده على تذكر محتوى الندوة كله وتقديم ترجمة تتابعية جيدة خلال ثوان معدودة. وأخيرا، الذاكرة طويلة المدى، إذ تساعد المترجم على توسيع معارفه حول العالم والتي من المحتمل أن يعتمد عليها في الترجمات التي سيقوم بها في المستقبل. ولهذا تعتبر الذاكرة عنصرا في غاية الأهمية في مهنة الترجمة الشفهية، فأضحت تمثل جزء من منهجية التدريس في أغلب ماجستيرات الترجمة الفورية، من خلال القيام بتمارين لتقوية الذاكرة في الحصص الأولى من الدرس قبل الشروع في الترجمة التتابعية.
 
الثقافة العامة:

تعتبر الثقافة العامة من بين العناصر الضرورية والمهمة في عملية الترجمة. يعد المترجم وسيلة الربط الوحيدة الضامنة للتواصل في الاجتماعات والندوات، لكن المفارقة تكمن في كونه الجاهل الوحيد والدخيل في ملتقى الخبراء، أي أن جميع الحاضرين أكثر دراية منه بالموضوع الذي يتم مناقشته، إلا أنهم لن يتمكنوا من فهم خطاب المتحدث دون مترجم لجهلهم بلغته، لهذا، ينبغي على هذا الأخير التحضير جيدا للندوات والاجتماعات التي سيشتغل فيها.

من جهة أخرى، ليس من المفروض على المترجم أن تكون لديه معارف معمقة في إحدى المواضيع بالذات، كما أنه ليس مجبرا على التخصص في إحداها فقط( كما يفعل بعض المترجمين الذين يكتفون  بالعمل في الندوات الطبية، أو الاشتغال على النصوص القانونية فقط) بل العكس تماما، إذ ينبغي عليه أن يوسع دائرته المعرفية، على الأقل ما يكفي ليتمكن من الترجمة في المؤتمرات التي يشتغل فيها والتي تكون مواضيعها مختلفة، مثلا: التطورات في مجال الملاحة الفضائية أو تاريخ إسبانيا أو العلوم الطبيعية. ولابد كذلك أن يكون لدى المترجم وقت لتحضير المواضيع مع معجم خاص ووثائق مرجعية مختلفة قبل أي اجتماع أو ندوة، ولا شك أن الدعامة الأساسية لديه التي ستساعده أثناء الترجمة هي ثقافته العامة. ولهذا، لابد من أن يكون فضوليا، وأن يدفعه فضوله هذا إلى قراءة وحب معرفة المزيد واكتساب المعلومات من خلال تتبع وسائل الإعلام ومعرفة آخر المستجدات حول الأحداث العالمية، إذ لا  يغفر للمترجم جهله برئيس البلد الذي يجاور بلده، أو عدم معرفته الحزب الحاكم فيه أو الصراعات والحروب العالمية التي لا تزال قائمة في يومنا هذا، لأنه من المحتمل أن ترد في الخطاب، وستكون حاسمة في فهم الرسالة المراد ايصالها.

كلارا بوش مارش
ترجمة: جمال أمنار


كل المقالات