19 يوليو 2019 الموافق 17 ذُو الْقِعْدَة 1440

18 فبراير 2019 الموافق 13 جَمَاد الثَّاني 1440

أمي.. أريد أن أصبح مترجمًا




أمي.. أريد أن أصبح مترجما
 
سأرد على هذا السؤال الذي طرح علي لأكثر من مرة: أريد أن أصبح مترجما. ماذا يجب علي فعله؟ صراحة، ليس هناك وصفات سحرية، وكل حالة لها خاصياتها، لكن إن كنت سأسدي نصيحة في هذا المجال ستكون كالتالي:

أولا: فكر 
 
 إن أول سؤال ينبغي على كل من يخطو خطواته الأولى في ميدان الترجمة أن يطرحه على نفسه هو: هل يريد فعلا أن يصبح مترجما ؟ وهل يدرك جيدا مدى صعوبة هذه المهنة؟ إن كل تسعة أشخاص من أصل عشرة الذين يتطلعون لأن يصبحوا تراجمة، ليست لديهم أدنى فكرة، أو بالأحرى لديهم تصورات خاطئة حول هذا المجال، إذ يعتقدون أنه عمل سهل يكمن في نقل نص من لغة إلى أخرى فقط، لكن عندما يجدون أنفسهم أمام نص يتوجب عليهم ترجمته، يكتشفون الحقيقة المرة وأن الترجمة ليست بالشيء الهين.
 
كما ينبغي على المرء أن يسأل نفسه ما إذا كان يتوفر على مهارات تخول له مزاولة مهنة الترجمة؟ يعني، هل أنت متمكن من لغتك الأم؟ هل أنت متخصص في مجال معين؟ 

هل تتقن اللغة الأجنبية التي تترجم إليها؟ هل تجيد استعمال الحاسوب؟ هل تمتاز بالمثابرة والانضباط والفضول والاستقلالية؟ 

والسؤال الأخير والأهم الذي يجب طرحه هو: هل تريد أن تعمل لحسابك الخاص ؟ 

ثانيا:أحصل على تكوين جيد ونم معرفتك. 

حسنا، بعد أن قررت شق طريقك في هذا المجال لكونك تحب تعلم اللغات والكتابة والقراءة، ومتمكن من اللغة، ولأنك منذ صغرك تتقن الكتابة جيدا بدون أخطاء لغوية، وتظن أن هذه الأمور كلها ستكون في صالحك، ولأن الاشتغال لحسابك أمر لا يقلقك. كل هذا جميل، وهو نقطة بداية جيدة، لكن لست متيقنا من أنك تريد أن تكمل في هذا المجال لأن شيئا ما يحول بينك وبين تقديم ترجمات جيدة، إذن خذ وقتا للتفكير: ما الذي يمنعك من أن تصبح مترجما؟

ومن المحتمل أن يكون لديك رصيد لغوي جيد إن درست إحدى العلوم التي لها علاقة بالترجمة، مثل اللغة والصحافة،لكنك ستفتقر لمهارات استعمال الحاسوب، أو ربما قد لا تتوفر في معارف في المجالات الأخرى التي تخول لك التخصص في إحداها. فمثلا إن كنت متخصصا في الطاقة أو الطب أو القانون وقررت أن تمتهن الترجمة في إحدى هذه المجالات، فبالكاد ستكون لديك دراية كافية بها، لكنك ستفتقر للغة. فما الذي ينبغي عليك فعله لمعالجة هذه المعضلة؟ فلنأخذ على سبيل المثال اللغة الإسبانية:

كون اللغة الإسبانية هي لغتك الأم ، هو أمر يجعل منك خبيرا فيها. من الضروري الإلمام بلغتنا الأم وسجلاتها اللغوية، وأيضا معرفة أهم مراجعها مثلا: Diccionario de la lengua española, el Diccionario panhispánico de dudas, la Nueva gramática de la lengua española y la Ortografía de la lengua española وكتب خوسيه مارتينث دي سوسا، و كتابManual de estilo de la lengua española، كما يجب الإلمام كذلك بنحوها وتراكيبها اللغوية. لهذا، إن كنت تعتقد بأن حل مشكلتك يكمن هنا، ابدأ منه.

المعلوماتية: إن أسهل وسيلة لتنمي معارفك في مجال المعلوماتية هي أن تخصص وقتا لقراءة تعليمات استعمال البرامج الخاصة بك، بالإضافة إلى البحث في الإنترنت عن دروس وفيديوهات التي تمكنك من تعلمها ، وبالخصوص دروس التطبيق. لكن إن كنت لا تمتاز بخاصية التعلم الذاتي وتفضل أن يعلمك شخص ما،فمن الأفضل أن تأخذ دروسا خاصة فيها. 
 
تكوين عام في الترجمة و اكتساب معارف جديدة في مجالات أخرى.

في هذه الحالة، أنصحك بالقراءة الدؤوبة... وأن تمتاز بحب الاستطلاع، لأن هذه أسهل الطرق من أجل اكتساب المعرفة، إذ لا تتطلب منك إلا أن تخصص لها الوقت والجهد. وإن كنت تفضل أن يلقنك المتخصصون في المجال، عليك الالتحاق بمادرس وجامعات الترجمة، لكن تأكد من أن تكون الدروس التي تقدم فيها، في مستوى تطلعاتك، واسأل الطلبة السابقيين عن رأيهم بخصوصها. اقرأ جيدا البرنامج الدراسي واسأل عن خبرة وسمعة أساتذتها.

احرص كذلك على أن تكون على دراية بمواقع التواصل الاجتماعي، ومواقع ومجلات الترجمة الخ، واحرص على أن تكون شديد الملاحظة، وتطرح الأسئلة، بالإضافة إلى الانغماس في عالم الترجمة وكل ما يتعلق بهذا المجال، ولا تنس أن تربط علاقات مع المترجمين.
 
ثالثا: حلل وخطط

حسنا، بعد أن أصبح لديك ما يكفي من المعلومات لتصبح مترجما، عليك أن ترسم خطة عمل تفتح لك الطريق في مجال الترجمة.

فكر: 

ما هي الخدمات التي تريد أن تقدمها: الترجمة التحريريةأم الفورية، أم تدقيق لغوي...؟

ما هي اللغات التي تريد الاشتغال بها؟

بهذا الخصوص، الاشتغال بلغتين واتقانهما جيدا خير من الاشتغال بأكثر من ثلاث لغات وعدم اتقنها. لأنه عندما يشتغل المرء بأكثر من لغة، فبالكاد سيجد نفسه يشتغل بواحدة أكثر من الأخرى، مما سيجعله متمكنا منها، وبالتالي سيسهل عيله الاشتغال بها، بينما سيتدنى مستواه في اللغة الأخرى إلى أن يستعصي عليه الترجمة منها أو إليها. ما هي اللغة التي ينبغي أن أختار؟ من الجيد اختيار لغة لا يتقنها الآخرون، لكن عليك أن تتأكد إذ كانت ستخول لك عروض عمل في الترجمة. إن كنت لا تستطيع الجمع بين هاتين الخاصيتين، ووجدت نفسك مجبرا على الاشتغال بلغة متداولة، لكن لا تضمن لك عروض عمل كثيرة، فمن الأفضل أن تصب جل اهتمامك فيها رغم كثرة المنافسة. في جميع الأحوال، اختر اللغة التي تحب.
 
ما هو المجال الذي تريد أن تتخصص فيه؟ 

عليك أن تفكر مليا في أي مجال تريد أن تتخصص فيه: هل في مجال ترجمة النصوص الطبية أم التقنية أم القانونية أم الاقتصادية؟ 

إن مسألة التخصص هذه أمر جيد بالنسبة للمترجم والزبون، لأن الزبون سيحصل على ترجمة جيدة قام بها مترجم متخصص، إما في الترجمة القانونية أو الطبية مثلا، بينما المترجم ستسهل عليه عملية الترجمة لأنه تعود على الاشتغال على مثل تلك النصوص. لكن من جهة أخرى، التخصص في إحدى المجالات والانحصار فيها، دون أن تضمن عروض في الترجمة ليس بالأمر الجيد. في هذه الحالة، من الأفضل أن ينهل المترجم من مختلف العلوم. 

من جهة أخرى، إن كنت تود التخصص في مجال معين، لا تنس أن تأخذ بعين الاعتبار اللغات التي تشتغل بها، بالإضافة إلى سوق الشغل ومتطلباته، وأن تعرف القطاعات القوية للبلدان التي تُتحدث فيها لغتك الأم ؟مثلا: إن كنت تترجم من الألمانية، مع العلم أن ألمانيا لديها قطاع صناعي مهم، فإن التخصص في الترجمة التقنية بالكاد ستكون فكرة جيدة. 

وأخيرا، من بين الأشياء التي بجب أخذها بعين الاعتبار أيضا : المعدات و الأسعار.

رابعا:انطلق...

عندما تقوم بهذه الخطوات كلها، لا تتردد وانطلق، لأنك لن تجد اللحظة المناسبة أبدا، ولن تعرف كل شيء دون أن تبدأ، ولهذا، كلما خطوت خطوة قبل، ستكسب التجربة والخبرة لتنظم إلى صفوف التراجمة الجهابذة، وهذا لا يتم إلا بارتكاب الأخطاء والتعلم. أبحث عن الزبن، إفرض وجودك بين التراجمة وقل "نعم أنا مترجم كفء"، قم بأي شيء ولا تفق مكتوف الأيدي.


ايسابيل غارثيا كوتيياس
الترجمة: جمال أمنار
 
jamalamana31@gmail.com


كل المقالات