20 أغسطس 2019 الموافق 19 ذُو الْحِجَّة 1440

20 فبراير 2019 الموافق 15 جَمَاد الثَّاني 1440

مهنة الترجمة إلى زوال؟




مهنة الترجمة إلى زوال؟
 
بقلم: د. نبيل شيبان
رئيس المجمع العربي للمترجمين المحترفين

nchaiban@arabtranslators.org


 
عندما اخترت مهنة الترجمة قبل أكثر من 35 سنة رغم أن اختصاصي هو إدارة الأعمال والإدارة المصرفية، كانت سوق الترجمة في المملكة العربية السعودية وغيرها من دول الخليج العربي لا تزال تعج بالكثير من الفرص وتعاني شحًّا في المترجمين المتخصصين الأكفاء، وكانت أجهزة الكمبيوتر لا تزال تستخدم شاشات أحادية اللون، وكان أول جهاز اشتريته بقرص صلب 20 ميغابايت وذاكرة 256 كيلوبايت، وكانت برامج معالجة الكلمات الوحيدة عرب ورد ArabWord وiScript وورد بيرفكت Word Pefect وورد ستار Word Star، ولم نعرف مايكروسوفت حتى العام 1992 عندما بدأنا باستخدام تطبيقات مايكروسوفت ورد وأكسل وباور بوينت التي كانت لا تزال في بداياتها، بينما اشتريت أول جهاز أبل لاستخدام برنامج الناشر الصحفي في العام 1995، وكنت أضطر لبرمجة أجزاء الوثيقة بسبب عدم كفاية برمجيات معالجة الكلمات، بوضع كودات مثل AU وتعني ابدأ بوضع خط تحت الكلمة وXU وتعني توقف عن وضع خط تحت الكلمة.
 
ثم جاءت الإنترنت في العام 1998، وكانت بدايتها بطيئة جدًا تحتاج إلى اتصال بدائي عبر خط هاتفي dial-up وليس مودم الاتصال المستمر بالإنترنت الذي نعرفه اليوم. ولم تكن الخطوط الهاتفية متوفرة بكميات كافية في المملكة العربية السعودية ودول الخليج العربي، ما اضطرني في ذلك الوقت إلى دفع مبلغ تحت الطاولة للحصول على خط هاتفي أرضي. وكانت تكلفة أول خط هاتف جوال اشتريته حوالي أربعة آلاف ريال سعودي، وقد اضطررت يومها لإلغاء ارتباط لتقديم خدمات الترجمة في اجتماع لبعض كبار رجال الأعمال لمجرد أن الشخص الذي باعني شريحة الهاتف الجوال كان قادمًا من الخبر، وكان أمامي خياران أحلاهما مر: "إن أتيت الآن أهلاً وسهلاً، وإن لم تأتِ سوف أبيعها لشخص آخر"... اعتذرت من الجماعة وأتيت صاغرًا.
 
أما اليوم، فإننا نجد انتشارًا للجامعات والمعاهد التي تقدم تخصصات الترجمة التحريرية والفورية والكثير من البرامج التدريبية، وأعدادًا كبيرة من الخريجين، بينما نشهد في المقابل تطورًا متسارعًا في ذاكرات الترجمة وبرامج الترجمة الآلية، ومنها Trados وMemoQ وWordfast وغيرها، وكذلك في محركات الترجمة سواء كانت Google Translate أو تقنية الترجمة الآلية العصبية neural machine translation التي تطورها Amazon لتقديم نصوص مترجمة بدرجة مقبولة من الدقة. وفي المقابل نشهد تقدمًا في الذكاء الصناعي Artificial Intelligence وعلم البيانات Data Science وإنترنت الأشياء Internet of Things والحوسبة السحابية Cloud Computing والجيل الخامس لتقنية الاتصال الهاتفي النقال G5 القادر على نقل البيانات بشكل فوري وبسرعة خارقة.
 
كل هذا سوف يؤدي إلى ثورة في شتى المجالات، وسوف تزول مهن كثيرة لتحل محلها مهن أخرى، تمامًا مثلما زالت مهنة سائق الحنطور وصانع الطرابيش. لقد أتى اليوم دور النجار والرسام والخطاط وحتى الطبيب مع ظهور الذكاء الصناعي القادر على تشخيص الحالات بدقة تامة وتحديد العلاج المطلوب فورًا، ثم مهنة كاتب إدخال البيانات والطابع والسكرتير. ولكن هل ستزول مهنة المترجم؟
 
الإجابة على هذا السؤال هي نعم، ولكن لا يزال أمامنا بعض الوقت للوصول إلى تلك المرحلة. والأكيد هو أن المترجم الذي لا يستخدم التقنيات المتطورة في عمله كمحركات البحث وذاكرات الترجمة سوف ينقرض بلا شك. فالمرحلة القادمة تملي العمل المشترك بين المترجم البشري والمترجم الآلي. وقد أصبح الكثير يدعو اليوم إلى ما يعرف بالتعديل بعد الترجمة الآلية أو post-editing، حيث تقوم الآلة بالترجمة ويكون دور المترجم مقتصرًا على تصحيح تلك الترجمة. وهذا يحدث الآن في ذاكرات الترجمة translation memories وفي الترجمة بواسطة محرك غوغل أو غيره، وإن كان ذلك لا يزال حتى الآن يعتبر ضربًا من إضاعة الوقت نظرًا لنوعية مخرجات الترجمة الآلية في الوقت الحاضر.
 
ما الحل إذن مع هذه الكثرة في المترجمين والمنافسة الشديدة وتطور الآلة؟ لا شك أن هذا سوف يؤدي إلى تراجع أسعار الترجمة وسوف يصبح دخول المبتدئين والخريجين الجدد إلى سوق الترجمة أكثر فأكثر صعوبة مع مرور الوقت. ولهذا يجب على الجامعات إعادة النظر في برامج تدريس وتدريب المترجمين. كذلك يجب على المترجم أن يصبح أكثر قدرة على العمل بالمشاركة مع الآلة، أو أن يتخصص في مجالات محددة كأن يتخصص في العلوم المصرفية أو القانون ثم يدخل إلى مهنة الترجمة ليكون متمكنًا وقادرًا على تقديم خدماته لمن يرغب في الحصول على نوعية لا تستطيع الآلة توفيرها، أو أن يتحلى بالمرونة وأن يتعلم أكثر من مهنة واختصاص، بحيث يعمل إلى جانب الترجمة كاتبًا ومؤلفًا ومصممًا وغير ذلك من المهن المشابهة، أو أن يجمع بين كل تلك الحلول.
 
على الرغم من الصعوبة التي كنا نواجهها في الحصول على كل شيء في الماضي والسهولة التي يتميز بها توفر كل شيء حاضرًا ومستقبلاً، يجب على أجيال المترجمين القادمة التفكير مليًا بما هو آتٍ.



د. نبيل شيبان
رئيس المجمع العربي للمترجمين المحترفين

 
 

كل المقالات