17 يونيو 2019 الموافق 14 شَوَّال 1440

16 فبراير 2019 الموافق 11 جَمَاد الثَّاني 1440

الترجمة كونها عملية للتواصل




الترجمة كونها عملية للتواصل
بقلم: فريدرك هابرت
ترجمة: د. أحمد التجاني ماهل

azaab_75@hotmail.com

 
المترجم قبل أن يكون "كاتبا" في هذا المجال، فهو في المقال الأول "ناقلا للرسالة". وفي معظم الحالات، إن عملية الترجمة يجب أن تُفهم على أنها عملية نقل لغوي للرسالة المعبر عنها في اللغة المنقول منها "لغة المصدر" تحديدا من أجل أن تُفهم من قبل قراء اللغة المنقول إليها "اللغة الهدف". لذلك لا يلزم العمل المطلوب من المترجم التدخل في النص، فقط هو مسؤول في الأساس عن نقل محتويات الرسالة المعبر عنها من قبل الكاتب الأصلي.

الكل يعلم، على سبيل المثال أن الترجمة القانونية تأخذ حيزا كبيرا للتشذيب وإعادة الصياغة. تماماً عندما يتعلق الأمر بترجمة عقود التأمين والمواضيع ذات العلاقة الأقل ارتباطا بعملية الترجمة، مما يجعل القارئ يحتاج إلى أن يكون النص المُترجَم إليه مطابقاً للنص المُترجَم منه في المعنى بغض النظر عن جزالة الأسلوب المتبع من قبل المُترجِم.

حتى الآن، وفي العديد من الحالات يواجه المُترجِم النصوص التي ينبغي استخدامها في عملية "التواصل الفعال" إلا أن التأثير يتوقف على الصيغة الفعلية للنص الأصلي. وفي مثل هذه الحالات تحديدا فإن المُترجِم أحيانا يجد من الضروري الأخذ بعين الاعتبار للصيغة الأصلية من أجل شيئين هما الفهم الأمثل للنص المُترجَم منه (وهذا أحيانا يحدث في النصوص التقنية العادية) والآخر أن يكون ملماً باللغة المُترجَم إليها (اللغة الهدف). هذه هي اللحظة التي يصبح فيها المُترجِم رابطاً فعالا في تسلسل الاتصال والتواصل، وأي لحظة يستدعي مهاراته في التواصل لتعزيز تأثير الرسالة الأصلية.

وهنا تصبح عملية الترجمة من شِقين: أولاً، يحتاج المُترجِم إلى كشف التناقضات والعيوب المحتملة في النص الأصلي وفهم معناها المقصود بالنقل.  ومن أجل ذلك العمل، يحتاج المُترجِم عادةً إلى التواصل مع كاتب النص المراد ترجمته (أو أي شخص آخر ملم بمحتويات النص) بغرض توضيح الغموض الذي شاب ذلك. وثانياً، بمجرد الانتهاء من الجزء الأول من هذا العمل، فإن المُترجِم سيراجع البنية النحوية للنص الأصلي ومن ثم صياغة الرسالة المرسلة باللغة الهدف، وهذا ما يعطي النص الأصلي قيمة مضافة في كلتا الحالتين التأثير والصيغة. ومن المهم التأكيد على أن مثل هذا العمل سينفذ دائما بالتعاون مع الكاتب الأصلي، وبالتالي يمكن للمترجم التأكد من أن الرسالة المترجمة تتوافق مع المعني الذي يرمي لنقله الكاتب الأصلي، وهذا يجعل المُترجِم أن يتذكر أنه في الأساس ناقلا للرسالة وليس كاتباً.

من أجل أن نعطي مثالاً من هذه القيمة المضافة كجزء من عمل المُترجِم، دعونا نأخذ المقتطفات التالية والتي أُخِذَت من خُطبة ألقاها مسؤول محلي يعمل بعمودية فرنسية "بلدية" (وهي السلطة المحلية التي تدير الخدمات العامة في المدن والبلدات الفرنسية) في مناسبة زيارة من الشركاء البريطانيين كجزء من اتفاقية التوأمة (وكذلك يمكنني أن أختار مقتطف من الإعلان المترجم، على سبيل المثال، إن عمل إعادة الصياغة الذي يقوم به المُترجِم أمر جوهري). فهذا العمل المترجم يعني أنه أكثر من كونه فقط نقل وتحويل معلومات من لغة إلى أخرى: بل أنه يتضمن اهتماما خاصا بوجهة نظر مستخدم الترجمة (في هذه الحالة، هو المستمع الذي يتحدث اللغة الهدف)، بالإضافة إلى الفهم الشامل للأفكار المراد نقلها. ومن الواضح أن ذلك بنيَّ على حقيقة أن هذه الخُطبة مثلها مثل أي نص آخر للتواصل المباشر ، يتضمن بُعد إضافي إذا ما قُورن بالنصوص المعرفية المعتادة: هذا البُعد يمكن أن يشار إليه على أنه "موجه المستمع" باعتباره جانب من النص. ومن الواضح، أن سياق الخُطبة ليس له فقط البُعد التحريري (المكتوب) والجودة المشتركة من كافة النصوص الأخرى أي كان مجالها، بل كذلك البُعد الشفوي. ومن خلال هذا البُعد المزدوج يتضح جلياً ما ينبغي أن يضعه المُترجِم في الحساب ضمن عمله: أكثر مما إذا كان الحال في الأنواع الأخرى من النصوص، مما يستوجب الأخذ بعين الاعتبار لوجهة نظر القارئ/المستمع في كل الأوقات. ودعونا نأخذ مقتطف من الخُطبة من أجل فهم العملية المشار إليها أعلاه بشكل أفضل. مقطع من النص المقروء (من اللغة الفرنسية): "أعتقد أنه أمر جيد إضفاء الطابع الرسمي من وقت إلى آخر على هذه الاجتماعات من أجل خلق ذاكرة جماعية من مراسلاتنا". والترجمة المقابلة لذلك في اللغة الإنجليزية تعطي النتيجة التالية: "أشعر أنه من المفيد من وقت إلى آخر إعطاء الصبغة الرسمية على هذه الاجتماعات من أجل خلق ذاكرة جماعية من مراسلاتنا". فالجزء الأخير من هذه الجملة صحيح الاستخدام إلا أنه يبدو مضحكا نوعا ما، مما يجعل القارئ/المستمع ربما سيجد صعوبة في ما يعنيه ذلك بالضبط. وهذا سبب ما جعلني أعتقد أن النص المصدر (النص الأصلي) تطلب نوعان من التوضيح لشيء واحد، فالتعبير الفرنسي (mémoire collective ويعني الذاكرة الجماعية) له بعد تاريخي مما جعلني أشعر بأنه غير مناسب في النص الهدف (النص المترجم إليه) لنقل الرسالة الإيجابية الموجهة في المستقبل. في اعتقاد معظم الفرنسيين أن التلازم اللفظي في الكلمتين (mémoire collective) يصاحب صور من الحربين العالمتين وأحداث تاريخية فرنسية حية أخرى مثل "مايو 68" والتي كما تعلمون ربما كانت فترة اضطراب قامت في الأساس على المظاهرات والاحتجاجات الطلابية. وثانياً، إن المصطلح الفرنسي " correspondances مراسلات" استخدم بشكل غير كافٍ (وبعد استشارة كاتب النص، وجدت أن ذلك يعني "كافة  الانجازات المتبادلة لشركاء التوأمة منذ توقيع اتفاقيتهم"). وباختصار إن الفكرة العامة المُقَدَمَة بالنص الفرنسي غامضة إلى حدٍ ما وموجهة في الماضي، وبذلك فَشِلَ الكاتب في نقل أفكاره بطريقة مقنعة.

بعد تحليل اثنين من هذه الأخطاء وبمساعدة من الكاتب، خطرت ببالي الترجمة التالية: " أشعر أنه من المفيد من وقتٍ إلى آخر أن تُعطَى هذه الاجتماعات الصبغة الرسمية من أجل أن تُسجِل انجازاتنا المتبادلة لتحقيق تعاون أفضل في المستقبل". فالترجمة بهذا التصرف تكن أكثر تناسبا لسببين أساسيين: إذ أنها توضح الرسالة الأصلية، مما يعطيها قوة أكبر مع تقديمها ببعد إيجابي. وأنني اخترت ذلك عن قصد لإضافة "تعاون أفضل في المستقبل" من أجل تعزيز الرسالة بحيث تكن أكثر إقناعا، بدلا من الأصل الفرنسي الذي فشل بوضوح في عملية النقل.
ومن خلال هذا الاختيار، قررت أخذ الجزء الفعال في عملية التواصل عن طريق إعطاء الرسالة البعد الإضافي الذي فقدته في النص الأصلي: وببساطة اخترت ذلك للأخذ بعين الاعتبار عملي كعملية إبداعية تكن أكثر فائدة للرسالة الأصلية.

دعونا نأخذ مثالا آخر من نفس النص. فالسطر الأول من الفقرة الأخيرة يبدأ بالكلمات التالية: (بالغة الفرنسية) "نحن نريد بناء علاقة تبادلات تجارية Nous souhaitons ce renforcement des échanges... "، وترجمتها  حرفيا "نحن نساند هذا التكثيف من التبادلات" وعندما قرأت هذا في البداية فكرت ملياً من الذي لا يرغب في المساندة الايجابية وعملية التبادل المثمر؟ ومن أجل تفادي حدوث نفس الحرج في اللغة الإنجليزية، اخترت أن أشدد على فكرة المساندة عن طريق إدخال الظرف "بشكل كامل fully" والذي يسبب مرة أخرى تأثير كلي على الرسالة لتعزيزها.  وتقرأ الترجمة النهائية المعدلة كالتالي "نحن نساند الفكرة بشكل كامل بحيث ينبغي تكثيف التبادلات".
وكما يبدو من خلال هذين المثالين، إن عمل المُترجِم يسهم بقدر كبير من الإبداع، بالإضافة إلى  مهارات التواصل واسعة النطاق. وكان هذا الجانب من الترجمة هو موضوع المقال الذي كتبه استيف دايسون Steve Dyson والذي ورد في العدد (2/96 من مجلة ترجم Traduire (2/96)، "مجلة الجمعية الفرنسية للمترجمين the journal of the Société Française des Traducteurs ". وأطلق دايسون على هذه العملية الإبداعية (التأليف والنشر بين اللغات) وعرفها بأنها "ضرورة، يقتضيها الأمر من أجل إعطاء أولوية التواصل الفعال على الإخلاص إلى الأصل".

عندما يعطي المترجمين المحترفين القضايا المذكورة أعلاه التفكير الجاد، لا ينبغي أن ننسى أن معظم هذه النصوص للترجمة و ليس "للتدخل - أي تكييف النص حسب ما يراه المترجم*" أو "إعادة الصياغة الموجهة للقارئ"، وإنما الفهم الشامل للنص المصدر وتقديمه بدقة في اللغة المنقول إليها "اللغة الهدف" وهذا عادة يكون الدليل الكافي لتحقيق رضا العميل مما يجعل مهمة المُترجِم أمر يثلج الصدر. وكما هو الحال في كافة مهارات التواصل الأخرى، فالإبداع هو أفضل التقدير وإعطاء أفضل النتائج عندما يكون الاستخدام مناسباً.
*توضيح لتدخل المُترجِم في النص أي تكييف السياق بفكرة من أفكار المُترجِم.

المصدر: http://www.bokorlang.com/journal/05theory.htm


 Translation as a communication process
by Frédéric Houbert 
The translator, before being a “writer” as such, is primarily a “message conveyor.” In most cases, translation is to be understood as the process whereby a message expressed in a specific source language is linguistically transformed in order to be understood by readers of the target language. Therefore, no particular adapting work is usually required from the translator, whose work essentially consists of conveying the meaning expressed by the original writer.

Everyone knows, for instance, that legal translation leaves little room for adaptation and rewriting. Similarly, when it comes to translating insurance contracts, style-related concerns are not paramount to the translating process; what the end reader needs is a translated text that is faithful to the source text in meaning, regardless of stylistic prowess from the translator.

Yet, in a number of cases, the translator faces texts which are to be used within a process of “active communication” and the impact of which often depends on the very wording of the original text. In these specific cases, the translator sometimes finds it necessary to reconsider the original wording in order to both better understand the source text (this also sometimes occurs in plain technical texts) and be able to render it in the target language. This is the moment when the translator becomes an active link in the communication chain, the moment when his communication skills are called upon to enhance the effect of the original message.

The translation process here becomes twofold: firstly, the translator needs to detect potential discrepancies and flaws in the original text and understand the meaning they intend to convey. To do this, the translator often needs to contact the writer of the text to be translated (or any other person who is familiar with the contents of the text) in order to clarify the ambiguities he has come across. Secondly, once this first part of the work is over, the translator will undo the syntactic structure of the original text and then formulate the corresponding message in the target language, thus giving the original text added value in terms of both wording and impact. It is important to stress that this work will always be carried out in cooperation with the original writer, so that the translator can make sure the translated message corresponds to the meaning the writer originally intended to convey; remember, the translator is essentially a message conveyor, not an author.

In order to give an example of this value-added part of the translator’s work, let us take the following excerpt, taken from a speech to be delivered by a local official working for a French “Mairie” (i.e., the local authority managing public services in French towns and cities) on the occasion of a visit from British partners as part of a twinning agreement (I could also have chosen an excerpt from a translated advertisement, for instance, in which the rewriting work of the translator is also of the essence). This translating assignment meant more than just converting information from one language into another: it involved paying particular attention to the point of view of the translation user (in this case, the listener speaking the target language), in addition to fully understanding the ideas to be transmitted. This is obviously accounted for by the fact that a speech, just as any other direct communication text, includes an extra dimension as compared to usual informative texts: this dimension could be referred to as the “listener-oriented” aspect of a text. Obviously, the text of a speech not only has a written dimension, a quality shared by all other texts whatever the field, but also an oral dimension. This double dimension obviously needs to be taken into account by the translator in his work: more than is the case with other types of texts, the viewpoint of the reader/listener should be kept in mind at all times.
Let us take an excerpt from the speech in order to better understand the above-described process. One section of the text reads: “Je me dis qu’il est bon aussi de formaliser de temps en temps ces rencontres pour créer une mémoire collective de nos correspondances.” A rough translation in English would give the following result: “I feel it is useful from time to time to give these meetings formal expression in order to create a collective memory of our correspondence.” The latter part of this sentence sounds rather funny and the reader/listener will probably find it difficult to see what it means exactly. This is why I thought the source text needed a couple of clarifications; for one thing, the French “mémoire collective” has a historical dimension to it which I felt was inappropriate in a text meant to convey a positive, future-oriented message. In the mind of most French people, the collocative “mémoire collective” brings about images of the two world wars and of other vivid French historical events such as “Mai 68,” which as you probably know was a period of turmoil marked mainly by students’ demonstrations. Secondly, the French term “correspondances” is inadequately used (after consulting the author of the text, I found that it meant “all of the mutual achievements of the twinning partners since the signing of their agreement”). In short, the overall notion given by the French text is rather blurred, past-oriented, and the author fails to convey his ideas in a persuasive way.
After having analyzed these two inaccuracies with the help of the author, I came up with the following translation: “I feel it is useful from time to time to give these meetings formal expression in order to put on record our mutual achievements for better future cooperation.” This adapted translation is much more suitable for two essential reasons: it clarifies the original message, and consequently gives it greater power while also providing it with a positive dimension. I deliberately chose to add “for better future cooperation” in order to reinforce the cogency of the message, which the French original obviously failed to convey.

By making this choice, I decided to take an active part in the communication process by giving the message an extra dimension which it lacked in the original text: I simply chose to consider my work as a creative process in the best interest of the original message.

Let us look into another example taken from the same text. The first line of the last paragraph begins with the following words: “Nous souhaitons ce renforcement des échanges...,” i.e., literally, “We support this intensifying of exchanges....” When I first read this, I thought, well, who wouldn’t support a positive, fruitful exchange process? In order to avoid obtaining the same awkwardness in English, I therefore chose to stress the idea of support by inserting the adverb “fully,” which again causes the overall impact of the message to be enhanced. The edited translation finally read as follows: “We fully support the idea whereby exchanges should be intensified....”

As these two examples show, the work of the translator often involves a great deal of creativity, as well as a wide range of communication skills. This aspect of translation was also the subject of an article by Steve Dyson which appeared in Traduire (2/96), the journal of the Société Française des Traducteurs (French Society of Translators). Dyson calls this creative process “interlingual copywriting” and defines it as “the necessity, where appropriate, to give effective communication priority over fidelity to the original.”

Professional translators, while giving the above issues a serious thought, should however never forget that most texts to be translated do not require “adaptation” or “reader-oriented rewriting”; a full understanding of the source text and accurate rendering in the target language usually prove enough to give the client satisfaction and make the task of the translator an intellectually gratifying one. As with all other communication skills, creativity is best appreciated and yields the best result when used appropriately.
http://www.bokorlang.com/journal/05theory.htm


كل المقالات